Homo Sapiens تخاريف


ثم انتصب المخلوق الذي سيدعى من الآن فصاعدا الإنسان واقفا على قدميه ، لابد أن الأمر حصل هكذا : حاول هذا المخلوق ( ولا أشك أنه كان ذكرا ) الوصول إلى ثمرة عالية على الشجرة فاستند بيديه على جذعها ورفع رأسه وانتصب واقفا ليطالها ، لابد أنه ترنح قليلا ثم خطا عدة خطوات ووقع ، ولكن هذه الثواني القليلة قبل أن يقع كانت كافية لكي يسرح بنظره إلى البعيد ويرى ما حوله من زاوية أخرى مرتفعة ولابد أن الفكرة أعجبته فأعاد الكرة حتى تعلم أن يمشي متوازنا على قدميه ، وهنا بدأت الحكاية ... رأى نفسه أعلى من بقية المخلوقات التي حوله ، لم يعد محتاجا أن يرفع رأسه لكي ينظر إلى البعيد ، لقد انفصل نظره عن الأرض وعمليا بدأ انفصاله الكلي عن الأرض . ثم اكتشف أن يداه قد تحررتا وأصبح قادرا على استعمالهما للامساك بالأداة و استخدامها لقتل الحيوانات ثم بني جنسه فيما بعد ولكن دعونا لا نستبق الأحداث . اكتشف صاحبنا أيضا أن أعضاءه التناسلية باتت واضحة للعيان ، لم تعد تختفي بين ساقيه وهو يدب على أربع كبقية الحيوانات ( لاحظوا معي التشابه مع الرواية الدينية التي تركز على فكرة اكتشاف الإنسان لعريه ) ، واكتشف بسرعة أنه يستطيع بملامسة عضوه التناسلي الحصول على انتصاب في أي وقت ومن ثم تحرر تدريجيا من الدورات التناسلية الموسمية التي تحكم أغلب الحيوانات . وكما الطاووس الذي ينشر ريشه ليلفت نظر الأنثى في موسم التزاوج كذلك أخذ صاحبنا يعرض عضوه بفخر ليلفت نظر الأنثى في موسم التزاوج المفتوح دائما وذلك ليرضي هاجسه الأزلي في حفظ النوع . وكما التنافس بين ذكور مختلف الحيوانات على الفوز بقلب الأنثى لضمان استمرار ذرية هذا الذكر بالذات أخذ ذكور بني الإنسان يتنافسون على قلوب الإناث اللواتي أجزم أنهن كن أقل عددا من الذكور ، ولنترك صديقنا في خضم المنافسة لنعود إليه لاحقا . لننظر الآن بعيون أنثى ذلك الزمان والتي تحاول جاهدة أن تختار الذكر المناسب من بين المجموعة لتشرفه بضمان استمرار نسله ، بداية أعتقد أن الاختيار كان يتم على أساس شكلي فالذكر الذي كان يعرض عضوا أكثر جلبا للانتباه كان يفوز بقلب الأنثى وطبعا بعد أن يدخل في صراعات ضارية مع باقي الذكور ، ولكن هذه الأنثى سرعان ما اكتشفت معايير جديدة للاختيار فهي تكون عاجزة أو شبه عاجزة عن مطاردة الحيوانات واصطيادها خلال فترة الحمل و بعد فترة الحمل تكون يداها مشغولتين لأشهر طويلة بحمل مولودها العاجز و المعتمد كليا عليها لفترة تطول جدا نسبة لمواليد الحيوانات الأخرى . لذلك كانت الأنثى بحاجة ماسة لاختيار الذكر الذي يستطيع ويرغب في توفير الطعام لها و لولدها لفترة طويلة وأصبحت الإناث يتنافسن فيما بينهن للحصول على ذكر يبقى بجانب كل منهن حتى بعد انتهاء دوره في سيناريو حفظ النوع وابتداء دور الأنثى . ( وما المليارات التي تكسبها دور التجميل والأزياء في زمننا إلا دليل على ما أزعم ) . نعود إلى صاحبنا في معمعة التنافس والتي بدأت تأخذ شكلا مختلفا عن تنافس ذكور الحيوانات الأخرى ، ولنتذكر أنه عندما يتصارع ذكران من الحيوانات غالبا ما تحسم المعركة بإصابة طفيفة يتعرض لها أحدهما و ينسحب بعدها تاركا الساحة للمنتصر، أما الإنسان فقد طور سمات مميزة لتنافسه أولها العنف الشديد والدموية لأنه أصبح يحمل أداة في يده ومعلوم للجميع أن ضربة واحدة بقطعة خشبية ثقيلة تؤدي إلى الموت بسرعة اذا أصبح الصراع بين بني الإنسان حتى الموت . السمة الثانية التي ميزت صراع إنساننا هذا هي الفعل Action فلم يعد يكفيه التميز بالشكل للفوز بقلب الأنثى بل أصبح مطالبا ببذل جهده لاستعمال يديه التين تحررتا لإحضار مزيد من الطرائد أو بناء ملجأ ما يقي من الحر والبرد للفوز بقلب تلك الأنثى . وشيئا فشيئا كبر وهم الذكر بأهمية الفعل وأنه الطريقة الوحيدة للتميز والفوز بالمنافسة مع بقية الذكور وانفصل تدريجيا عن الكون لأنه أمعن فيه تخريبا يسيره هاجس التميز بالفعل Action أكثر فأكثر ، فقطع الأشجار و أحرق الغابات و صنع الأسلحة و أقام الأبنية وقبل هذا وذاك قتل عددا من الحيوانات أكثر بكثير مما يستطيع أن يأكل ، وكلما كبرت قدرة الإنسان على الفعل كلما كبر وهمه بالسيطرة على ما حوله وكبر وهمه بارتفاع رأسه عن الأرض ناسيا أن قدميه مازالتا و ستبقيان على الأرض ، وهذه هي الكارثة باختصار ...

